بعض صَلوات المناسبات وطقوسها
- سبت لعازر.
- أحد الشعانين.
- طقس الكنيسة فى أسبوع الآلام.
- ليلة سبت الفرح.
- الخُماسين المقدسة.
- طقس اللقان.
- عيد العنصرة وصلاة السَجْدة
‹ص ١٨٦› خصصّت كنيستنا القبطية العملاقة، صلوات وطقوساً فى بعض مناسبات معينة، تبرز بها المعانى الروحية التى تنطوى عليها تلك المناسبات... بعض هذه الصلوات تتم فى داخل الكنيسة، والبعض الآخر يتم فى البيوت - بيوت المؤمنين من أعضائها... لكننا نقصر كلامنا على بعض المناسبات التى رتّبت الكنيسة أن يحتفل بها فيها. لأنه بطبيعة الحال لا يتسع الوقت للإلمام بكل طقوس المناسبات داخل الكنيسة وخارجها...
اسبوع الآلام:
ولعل هذا الأسبوع يستمد أهميته القصوى واعزاز المؤمنين وتقديرهم من أن أحداثه كلها تدور حول موضوع واحد، هو «آلام المسيح وموته المحيى». أو بعبارة أخرى «محبة الله التى تجلّت فى آلام مخلصنا وموته وقيامته المجيدة»... «الله بيّن محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا» (رو٥: ٨)... إن آلام السيد المسيح هو موضوع الحياة كلها بالنسبة للمسيحى المؤمن. بل ويتعدّى تأثيره الحياة الحاضرة إلى الحياة الأبدية أيضاً.
لعل هذا يتضح من قول بولس الرسول «نحن نكرز بالمسيح مصلوباً» (١كو١: ٢٣)... ما هذا يا بولس، أيها العالم والفيلسوف العملاق؟... هل تكرز بالمسيح مصلوباً، أى تكرز بالضعف وتبشّر به؟... إن صلب المسيح فى ظاهره هو صورة من صور الضعف... ليتك تكرز بقوة المسيح، وقد اظهر قوته وقدرته على جميع أنواع الكائنات، فى عالم الإنسان والحيوان والجمادات... قوته وقدرته ظاهران فى معجزات الشفاء التى لا حصر لها... وقد أظهر سلطانه على الموت - عدو البشرية الأكبر - حينما أقام الموتى، حتى بعد أن تحللت اجسام بعضهم وانتنت، على نحو ما حدث فى معجزة إقامة لعازر بعد موته بأربعة أيام، حينما أقامه بكلمة!!
«نحن نكرز بالمسيح مصلوباً»... هذه كلمات وجهها الرسول بولس إلى المؤمنين فى كنيسة كورنثوس، وهى إحدى المدن الكبرى ببلاد اليونان مهد الفلسفة فى العالم... إن العقول عامة - وخاصة فى كورنثوس - لاتقبل ما تقوله يا بولس... لكن بولس مصّر على ذلك، ويعود ويؤكده فى نفس رسالته إلى كورنثوس... يقول «لأنى لم ‹ص ١٨٧› اعزم أن أعرف شيئاً بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوباً» (١كو٢: ٢)... هل نسيت يا معلمنا بولس موقف الفلاسفة الرواقيين والابيقوريين فى مدينة أثينا عاصمة بلاد اليونان منك، حينما وقفت تبشرهم بالإله الحقيقى، فقالوا باستهزاء «ماذا يريد هذا المهذار أن يقول؟!» (أع١٧: ١٨).
ماذا تقول؟ هل كان من الأجدى والأفضل اظهار أنك تبعته إنساناً قوياً، وآمنت بإنسان جبّار تكرز به؟ لكن القديس بولس - وفى ذات الموضع ونفس الرسالة إلى أهل كورنثوس - يوضح لماذا يكرز بالمسيح مصلوباً، فيقول «لأن اليهود يسألون آية واليونانيون يطلبون حكمة. ولكننا نكرز بالمسيح مصلوباً لليهود عثرة ولليونانيين جهالة. وأما للمدعوين يهوداً ويونانيين فبالمسيح قوة الله وحكمة الله لأن جهالة الله أحكم من الناس، وضعف الله أقوى من الناس» (١كو٢٢: ٢٥)... مشكلة الناس أنهم يرون فى الوداعة والاتضاع والتسامح لوناً من الضعف... لكن أمثال هؤلاء لم يفهموا المسيح ولا فهموا تعاليمه. فحاشا لله أن يوصف بالجهل وبالضعف، وإن كان كلام الرسول بولس عما يبدو فى نظر الناس جهالة وضعفاً «جهالة الله أحكم من الناس. وضعف الله أقوى من الناس»... إن القديس بولس يرى فى هذا الضعف الظاهرى قوة ومجداً، فيكتب فى رسالته إلى العبرانيين «يسوع نراه مكلّلاً بالمجد والكرامة. من أجل ألم الموت، لكى يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد» (عب٢: ٩)...
ما أروع وأعمق حكمة الكنيسة فى الصلوات التى رتّبتها لفائدة ابنائها فى هذه المناسبة؟!
عرض تاريخى:
يسمى هذا الأسبوع اسبوع الآلام، لأن الرب أكمل فيه عمل الفداء بالآلام... «لأنه لاق بذاك الذى من أجله الكل وبه الكلّ. وهو آت بأبناء كثيرين إلى المجد، أن يكمل رئيس خلاصهم بالآلام» (عب٢: ١٠)... ويسمى أيضاً اسبوع البصخة، وهى تعنى باللغة القبطية الفصح، وبالعبرية العبور، اشارة إلى عبور الملاك المهلك على بيوت الأسرائيلين ونجاة أبكارهم «لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ‹ص ١٨٨› ذُبح لأجلنا» (١كو٥: ٧)... ويسمى الغربيون هذا الأسبوع «الأسبوع المقدس» Holy Week.
كانت الكنيسة قديماً تحتفل بهذا الأسبوع مرة كل ثلاث وثلاثين سنة حتى أيام البابا ديمتريوس الكرّام البطريرك الثانى عشر (١٨٨ - ٢٣٠م)، الذى قرر أن يحتفل به سنوياً تالياً للصوم الأربعينى المقدس... كانوا يقرأون فى هذا الأسبوع الكتاب المقدس بأكمله بعهديه القديم والجديد. وسارت الكنيسة على هذا النظام حتى سنة ١١٤٠م فى بطريركية البابا غبريال الثانى إبن تريك، الذى وضع ترتبياً آخر لقراءات هذا الأسبوع بعد دراسة قام بها مع علماء الكنيسة القبطية، وذلك نظراً لأنهم ادركوا صعوبه قراءة الكتاب المقدس كله على الشعب فى خلال الأسبوع.
كان الأسبوع كله مكرّساً للعبادة. يتفرغ فيه الناس من أعمالهم، ويجتمعون فى الكنائس طوال الوقت للصلاة. وكان الملوك المسيحيون يعطلّون المصالح الحكومية خلال هذا الأسبوع ليتفرغ الناس للعبادة. وكانوا يُفرجون عن المسجونين ليشتركوا هم أيضاً فى العبادة، واحتفاءً بهذه الذكرى... وكان السادة يمنحون عبيدهم عطلة طوال الأسبوع، حتى يتفرغون للعبادة.
يبدأ اسبوع الآلام فى الواقع بعد قداس أحد الشعانين حتى يوم سبت الفرح... لكن لا يمكن أن نتكلم عن هذا الأسبوع - اسبوع الآلام - ما لم نتحدث عن سبتِ لعازر. وإن كان يوم سبت لعازر خارجاً عن الصوم الأربعينى المقدس.، الذى ينتهى فى اليوم السابق (جمعة ختام الصوم). كما أن اسبوع البصخة كما ذكرنا يبدأ عقب قداس أحد الشعانين. ومع ذلك فهناك دلالات عجيبة تبرز بالتأمل فى أحداث هذا اليوم (سبت لعازر).
سبت لعازر:
يوم سبت لعازر هو تذكار إقامة لعازر من الموت... وتوصف إقامة لعازر من الموت، ودخول الرب يسوع إلى أورشليم بأنهما «مقدمة الصليب»... ولقد أكّد المسيح بإقامته لعازر حقيقة القيامة العامة. وإنه هو «القيامة والحياة»، وأن من آمن به ولو مات فسيحيا. وكل من كان حياً وآمن فلن يموت إلى الأبد (يو١١: ٢٥، ‹ص ١٨٩› ٢٦)... وإذا كان اسبوع الآلام يتّسم بالحزن الشديد، وينتهى بإشراقه النور والفرح بقيامة الرب، فإن حادثتى إقامة لعازر والدخول إلى أورشليم، فى بداية هذا الأسبوع. تتّسمان أيضاً بالفرح، وتلقيان ضوءً ينير لنا المعانى المذخّرة فيه.
إن صلوات قداس سبت لعازر بحسب المناسبة - وهى إقامة لعازر من الموت - إنما تظهر لنا نصرة المسيح المُقبلة على قوات الهاوية (الجحيم).. إن كلمة الهاوية أو الجحيم هى التعبير الكتابى عن الموت فى قوته الذى يشمل الجميع. وتلك الظلمة التى لا مفّر منها، والدمار الذى يبتلع الحياة، ويُخيّم بظلاله على كل العالم... لكن الآن بدأ الموت يهتز بقيامة لعازر، حيث بدأ النزال بين الحياة والموت، وتعطينا مفتاح كل أسرار البصخة... كان يوم سبت لعازر فى الكنيسة الأولى يُدعى «إعلان البصخة». إنه بالحقيقة يُعلن ويسبق السبت الذى يليه، وهو سبت الفرح بنوره وسلامة... يوم القبر معطى الحياة!!!
لعازر:
كان لعازر صديق الرب يسوع الذى يحبه (يو١١: ٣)، يرمز للبشرية كلها؛ بل إلى كل إنسان. كانت بيت عنيا (ومعناها بيت البؤس)، بلدة لعازر الإنسان، ترمز إلى العالم كله كبيت للبشر... كل إنسان خُلق صديقاً لله، ودُعى لرفقته ومعرفته والشركة والحياة معه... لكن هذا الصديق - الإنسان - الذى احبه الله وخلقه لمحبته، ودعاه للحياة، بَاد بقوة لم يصنعها الله، هى الموت... الله يلاقى فى العالم قوة تبيد عمله!! ولم يعد العالم سوى حزن ونحيب ودموع وموت!! كيف يمكن أن يكون هذا؟! بل كيف حدث هذا... هذه هى الأسئلة المتضمنة فى قصة مجىء الرب يسوع إلى قبر صديقه الذى يحّبه لعازر.
نقرأ فى قصة إقامة لعازر من الموت هذه العبارة القصيرة: «بكى يسوع»... لماذا بكى إذا كان بالتأكيد يعلم أنه فى لحظة سيعيده ثانية إلى الحياة؟!... ويخطىء البعض حينما يعزون هذه الدموع إلى طبيعة السيد المسيح الإنسانية، ومعجزة إقامة لعازر من الموت إلى قوة لاهوته... لكننا فى كنيستنا الأرثوذكسية لا نقبل هذا التعليم، لأننا نُعلّم أن كل الأفعال الصادرة عن الرب يسوع، هى صادرة عن الإله المتأنس... لقد بكى يسوع وهو يرى كيف اتى الموت على خليقة الله...
‹ص ١٩٠› «لقد انتن»... بهذه الكلمات حاولت مرثا منع الرب يسوع من الاقتراب إلى جسد أخيها الميّت... إن هذا التحذير «لقد انتن»، هو اشارة ضمنية إلى البشر جميعاً، بل والحياة كلها... الله هو الحياة ومعطى الحياة. لقد دعا الله الإنسان إلى الحياة، والآن «لقد انتن»... عند قبر لعازر واجه الرب يسوع الموت... قابل عدّوه، الذى أخذ منه العالم، واخضعه لسلطانه، وصار هو رئيس العالم (يوحنا ١٢: ٣١؛ ١٤: ٣٠؛ ١٦: ١١)...
ونحن الذين نتبع الرب يسوع حينما نقترب من قبر لعازر، ندخل معه فى «تلك الساعة»، التى اشار إليها دائماً كذروة اتمام عمله كله (يو١٦: ٣٢)... إن الصليب وضرورته ومعناه الواسع معلن فى أصغر آية فى الإنجيل «بكى يسوع»... إننا نفهم الآن أنه لأنه بكى (= يحب صديقه لعازر)، إنه أعادة ثانية إلى الحياة. إن القوة التى أقامت لعازر ليست سوى قوة المحبة، أو المحبة كقوة... الله محبة، والمحبة حياة. والمحبة تنشىء الحياة... المحبة هى التى بكت عند القبر، والمحبة هى التى أعادت الحياة. هذا هو معنى الدموع المقدسة التى سكبها الرب يسوع.
لعازر هلّم خارجاً... هذا هو السبب فى أن سبت لعازر هو بدء الصليب الذى هو قمة الحب - وفى نفس الوقت قيامة لعازر هى انتصار المحبة العظيم.
أحد الشعانين:
سبت لعازر هو اليوم السابق لأحد الشعانين وفيه دخل المسيح إلى أورشليم... كلا اليومين يدوران حول موضوع واحد هو النصرة... يوم السبت يكشف حقيقة العدو الذى هو الموت، وأحد الشعانين يكشف معنى النصرة... نصرة مملكة الله بقبول العالم لملكه الوحيد يسوع المسيح.
فى حياة الرب يسوع بالجسد، نلاحظ أن دخوله المهيب إلى المدينة المقدسة أورشليم، هو المرة الوحيدة التى يظهر فيها منتصراً. وحتى ذلك اليوم كان يرفض كل محاولات تمجيده... لكن قبل الفصح بستة أيام - ليس فقط قَبِلَ أن يتمجّد، بل هو الذى دبرّ هذا التمجيد... ولم يكن فى تدبيره أنه يريد تمجيداً، لأنه هو القائل فى وقت سابق «مجداً من الناس لست أقبل» (يو٥: ٤١). لكنه فى ذلك كان يتمم نبوة ‹ص ١٩١› زكريا النبى قبل ذلك بنحو خمسمائة وخمسين سنة... «ابتهجى جداً يا ابنة صهيون. اهتفى يا بنت أورشليم. هوذا ملكك يأتى إليك. هو عادلٌ ومنصورٌ. وديعٌ وراكبٌ على حمار، وعلى جحش إبن أتان» (زك٩: ٩)... وهو بذلك أظهر أنه هو المسيّا ملك اسرائيل وفاديه. وتؤكد قصة دخوله أورشليم فى ذلك اليوم أنه هو المسيّا... فقد كان الغرض من الشعب اليهودى - كشعب الله الأول - أن يهيّء الطريق أمام مملكة الله ومجىء المسيّا. والآن لقد تّم كل ذلك... إن الملك يدخل مدينته المقدسة، وقد تمت فيه وبه كل النبوءات... هذا عن الماضى.
أما الآن، وبالنسبة لنا، فإن احتفالنا بأحد الشعانين معناه اعترافنا بالمسيح كملكنا وربنا... ونحن ننسى دائماً أننا جميعاً احتفلنا يوم عمادنا بمملكة الله، حيث صرنا مواطنين فيها، وتعهدنا بأن يكون كل ولائنا لها... إننا بحملنا سعف النخل فى أيدينا، نجددّ عهدنا مع ملكنا، ونعترف بمملكته، وبأن كل شىء فى حياتنا فى العالم إنما هو للمسيح.
لكننا نعلم جيداً أن هذا هو الملك الذى نحتفى به، إنما هو فى طريقه إلى الجلجثة - إلى الصليب والقبر. ونعلم جيداً أيضاً أن انتصاره القصير ليس سوى مقدمة لذبيحة ذاته... إن سعف النخل الذى بأيدينا إنما يشير إلى استعدادنا ورغبتنا فى أن نتبعه فى طريق الجلجثة، وقبولنا البذل وانكار الذات.
كما أن الأغصان التى فى أيدينا تُعلن إيماننا بالنصر الهائى للمسيح. إن مملكته مازالت مخفية والعالم يتجاهلها، كما لو كان المسيح لم يمت على الصليب، وأن الإنسان فى شخصه المبارك لم يقم بعد من الأموات. لكننا كمسيحيين نؤمن فى ملكوت الله الآتى، حيث يكون الله هو الكل فى الكل، والمسيح هو الملك الوحيد..
قداس أحد الشعانين:
فى رفع بخور باكر تعمل دورة الشعانين حسب طقسها... وفى القداس الإلهى، وبعد أوشية الانجيل يُقرأ ما يخص دخول السيد المسيح إلى أورشليم فى الأربعة أناجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا... وينتهى القداس كالمعتاد، ويقال التوزيع (المزمور١٥٠). ولا يرش ماء ولا يعطى تسريح للشعب، بل يُسْدل ستر الهيكل. ويبدأ فى صلوات التجنيز العام...
‹ص ١٩٢› أما حكمة الكنيسة من هذا التجنيز العام الذى يحضره كل الشعب، فهو أنه لا يُرفع بخور فى اسبوع البصخة التالى لأحد الشعانين إلا فى يومى خميس العهد وسبت الفرح. فإذا حدث أن تُوفى إنسان فى خلال هذا الأسبوع، فإنهم يحضروه إلى الكنيسة، ولا تصلى عليه صلوات التجنيز المعتادة، بل تقرأ عليه الفصول الخاصة بالبصخة المقدسة دون رفع بخور.
أما السبب فى عدم إقامة جنازات خلال اسبوع البصخة، فهو أن الكنيسة خصصت هذا الأسبوع لتذكار آلام السيد المسيح وصلبه وموته. ولذلك فإن كل التركيز على آلام المسيح... ويلزم أن يقف الإنسان بخشوع أمام الله فى وقت صلاة هذا التجنيز العام، ويعترف بخطاياه. إذ من يدرى ربما تكون هذه الصلاة لأجله؟!
طقس التجنيز العام:
تبدأ صلاة الساعة السادسة يوم أحد الشعانين بقراءة نبوءة من (حزقيال٣٧: ١-١٤)، ثم فصل من رسائل بولس الرسول (١كو١٥: ١-٢٢) الذى يتكلم عن الراقدين، باللحن الحزاينى. ثم تصلى أوشية الانجيل، ثم الانجيل من (يوحنا٥: ١٩-٢٩). ومقدمته المزمور «طوبى لمن اخترته وقبلته ليسكن فى ديارك إلى الأبد. سنشبع من خيرات بيتك. قدوس هو هيكلك وعجيب بالبر: هلليلويا». فى الانجيل يقول السيد المسيح «لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويُحيى، كذلك الابن أيضاً يُحيى من يشاء. لأن الآب لا يدين أحداً بل اعطى كل الدينونة للابن. لكى يُكْرم الجميع الابن كما يُكرمون الآب. من لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذى ارسله. الحق الحق أقول لكم إن من يسمع كلامى ويؤمن بالذى ارسلنى فله حياة أبدية ولا يأتى إلى دينونة بل قد انتقل من الموت إلى الحياة...». ثم يصلى الكاهن الثلاثة أواشى الكبار (السلامة والآباء والاجتماعات. وقانون الإيمان، وأوشية الراقدين، وأبانا الذى فى السموات... والتحاليل الثلاثة. ثم يرفع الكاهن الصليب ويقول بطريقة البصخة Ⲫϯ ⲛⲁⲓ ⲛⲁⲛ ⲑⲉϣ ⲟⲩⲛⲁⲓ ⲉ̀ⲣⲟⲛ ويجاوب الشعب كيرياليسون إثنى عشر دفعة. ثم يقول الكاهن البركة التى تقال فى اسبوع البصخة.
‹ص ١٩٣›
ملاحظة:
لا تقام قداسات أيام الأثنين والثلاثاء والاربعاء من اسبوع البصخة، لأن خروف الفصح كان يظل تحت الحفظ من اليوم العاشر من شهر نيسان العبرى - وهو يوم ابتياع الخروف (ويوافق يوم أحد الشعانين)، حتى اليوم الرابع عشر من نيسان حيث يذبح فى العشية..
طقس الكنيسة فى هذا الاسبوع:
+ تجلل الكنيسة بالسواد، وأى إنسان يدخل الكنيسة يشعر أنها فى حالة حزن مشاركة للمسيح فى آلامه... والكنيسة فى هذا الأسبوع تركز كل مشاعرها فى آلام السيد المسيح. لذا تتوقف عن استخدام مزامير الأجبية فى صلوات العبادة، وتستبدلها بتسبحة البصخة (Ⲑⲱⲕ ⲧⲉ ϯϫⲟⲙ لك القوة والمجد والبركة والعزّ إلى الأبد آمين....). خمس ساعات ليلية هى الأولى والثالثة والسادسة والتاسعة والحادية عشر من ليلة كذا، وخمس ساعات نهارية هى باكر والثالثة والسادسة والتاسعة والحادية عشر.
+ تقام صلوات البصخة خارج الخورس الأول، والسبب فى ذلك أن السيد المسيح تألم وصلب على جبل الاقرانيون خارج أبواب أورشليم. فبحسب شريعة العهد القديم كانت ذبيحة الخطية أى التى تحمل خطايا آخر أو آخرين تُحرق خارج المحلة. إنها تحمل خطايا، فلا يصح أن تنجُس المحلة... يقول بولس الرسول «فإن الحيوانات التى يدخل بدمها عن الخطية إلى الأقداس بيد رئيس الكهنة، تحرق اجسامها خارج المحلة. لذلك يسوع أيضاً لكى يقدّس الشعب بدم نفسه تألم خارج الباب. فلنخرج إذاً إليه خارج المحلة حاملين عاره» (عب١٣: ١١-١٣).
هكذا تجلس الكنيسة طوال اسبوع الآلام خارج المحلة بعيداً عن المذبح والهيكل وعن الخورس الأول - خورس القديسين - متذكرين خطيتنا التى اخرجتنا خارج الفردوس.
لقد تألم المسيح خارج الباب - خارج أورشليم. لقد حسبوه خاطئاً فأخرجوه ‹ص ١٩٤› خارج المحلة وصلبوه. الكنيسة فى هذا الأسبوع تخرج خارج المحلة. والمحلة هنا هى الهيكل. لذا تخرج الكنيسة إلى الخورس الثانى..
أيام الاثنين والثلاثاء والاربعاء من اسبوع البصخة:
الاثنين: خرج الرب يسوع من بيت عنيا قاصداً الهيكل. وفى الطريق لعن التينة المورقة غير المثمرة (مت٢١؛ مر١١). الرب يسوع يطّهر الهيكل من الباعة والصيارفة (مر١١: ١٥-١٧)، وصرف بقية النهار كله يعلم فى الهيكل ويعمل المعجزات (مت٢١: ١٥). ثم بات فى بيت عنيا... لذا رتبت الكنيسة أن قراءة هذا اليوم الاثنين وليلة الثلاثاء تدور كلها حول هذين الحدثين (الورق بغير ثمر، وتدنيس الهيكل بالعبادة الشكلية).
فى هذا اليوم تضع الكنيسة أمام المؤمنين مبدءً هاماً للحياة مع الله. هذا المبدأ هو الابتعاد عن الرياء والشكليات. فالمسيح قبل المرأة الزانية التى امسكت فى ذات فعل الزنا، لكنه لم يتسامح مع المرائيين من الفريسيين وحمل على ريائهم... لهذا ونحن فى بداية الأسبوع المقدس يجب أن نضع فى قلوبنا أن نمتنع عن الشكليات وزيف الحياة والعبادة المظهرية وأن نضع فى قلبنا أن تثمر نفوسنا بثمار الروح القدس.
الثلاثاء: خرج الرب يسوع صباحاً من بيت عنيا إلى أورشليم، وابصر شجرة التينة التى لعنها وقد جفت من جذورها. وردّ على اسئلة الفريسيين والصدوقيين الذين اتوا ليصطادوه بكلمة... معظم حديث المسيح فى هذا اليوم كان عن مجيئه الثانى ويوم الدينونة العظيم، ووجوب السهر والاستعداد. ويظهر هذا من الأمثلة التى قدمها: مثل الكرامين الأشرار (متى٢١)، ومثل عرس إبن الملك (مت٢٢)، وحديثه عن خراب الهيكل (متى٢٤)، ومثل العشر عذارى (متى٢٥)... ثم عاد إلى بيت عنيا. وفى مساء هذا اليوم تشاور رؤساء الكهنة على قتله (متى٢٦: ١-١٦)... إن الكنيسة تركز فى قراءاتها على مجىء المسيح الثانى ووجوب الاستعداد له بالسهر.
الأربعاء: صرف مخلصنا هذا اليوم فى بيت عنيا، بعد أن ترك الهيكل مساء الثلاثاء، وفى نيتة عدم العودة إليه البتة، بعد أن قال لليهود «هوذا بيتكم يترك لكم ‹ص ١٩٥› خراباً. لأنى أقول لكم أنكم لا تروننى من الآن حتى تقولوا مبارك الآتى باسم الرب» (متى٢٣: ٣٨، ٣٩)... وحوادث هذا اليوم عن سكب قارورة الطيب على رأس مخلصنا (متى٢٦: ٦-١٣؛ مرقس١٤: ٣-٩)؛ وهى خلاف مريم أخت لعازر التى سكبت الطيب يوم السبت على قدميه ومسحتهما بشعر رأسها (يو١٢: ١-٩). أما الحادثة الثانية التى تشترك فيها الأناجيل الأربعة، فهى خيانة يهوذا الأسخريوطى، واتفاقه مع رؤساء الكهنة على تسليم الرب يسوع مقابل ثلاثين من الفضة.
الخميس: فى هذا اليوم يقدم لنا الرب يسوع اقصى درجات حبه، إذ يقدّم لنا جسده المكسور ودمه المبذول وعرقه ودموعه وصلواته وسهره، وغسله لأرجلنا. إن أحداث هذه الليلة هى مزيج من حب الله العميق جداً للإنسان، مع حزنه الشديد حتى الموت من أجل خطايانا... لقد وصل حب المسيح لنا فى هذه الليلة إلى أعلى درجاته، فتحّول إلى شهوة أن يكسر جسده ويطعم تلاميذه بما فيهم التلميذ الخائن!!... تأسيس سرّ الأفخارستيا، وخيانة يهوذا يجمعهما معنى واحد هو المحبة... فإن كانت الأفخارستيا تكشف عن قمة اعلان الله عن حبه للإنسان من أجل خلاصه، فإن خيانة يهوذا تكشف أن الخطية والموت واهلاك النفس، ترجع إلى الحب الشرير المتحوّل عن مصدره. وهذا ما يكشفه لنا طقس يوم خميس العهد.
الإنسان بالخطية فقد حياة الشركة مع الله. لقد أحب نفسه والعالم لذاتهما، وظّن أنه يستطيع أن يشبع جوعه ويروى عطشه من العالم!! وهكذا تحولت محبته من الله إلى العالم، ومات الإنسان... وكانت هذه هى النهاية المحتومة للحياة التى قطعت عن مصدرها الأصلى وهو الله. مات الإنسان، بل إن الإنسان بخطيئته حوّل العالم إلى جبّانة كبيرة. واصبح الناس المحكوم عليهم بالموت هم «الجالسون فى كورة الموت وظلاله» (مت٤: ١٦).
«أما يسوع قبل عبد الفصح، وهو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب، إذ كان قد أحب خاصته الذين فى العالم أحبهم إلى المنتهى... يسوع وهو عالم أن الآب قد دفع كل شىء إلى يديه، وأنه من عند الله خرج وإلى الله يمضى. قام عن العشاء وخلع ثيابه وأخذ منشفة وإتزر بها. ثم صبّ ماء فى مغسل وابتدأ يغسل ‹ص ١٩٦› ارجل التلاميذ» (يو١٣: ١-٤)... إذا اردنا أن نفهم العشاء الأخير، لابد لنا أن ننظر إليه على أنه الذروة فى محبة الله المقدسة، التى بدأت بالخليقة، وتنتهى الآن بموت الرب وقيامته.
«الله محبة» (١يو٤: ٨). وعطية المحبة الأولى هى الحياة. ولكى يبقى الإنسان حيّاً، عليه أن يأكل ويشرب ويحيا فى شركة مع الله... محبة الله اعطت الإنسان الحياة. ومحبة الإنسان لله حوّلت هذه الحياة إلى شركة معه. كان هذا هو الفردوس...
والمسيح جاء لخلاص البشر، ورفض أساس تجربة الإنسان أن يحيا «بالخبز وحده». واعلن أن الله وملكوته هما الغذاء الحقيقى، والحياة الحقّة للإنسان. وهذه هى حياة الشركة للإنسان مع الله. هذا هو معنى العشاء الأخير... لقد قدم المسيح ذاته كالغذاء الحقيقى للإنسان... فى الجنة قال الله للإنسان «من جميع شجر الجنة تأكل». ولأن حياة الإنسان تقوم بالأكل، قال المسيح هنا «خذوا كلوا هذا هو جسدى».
لقد اعطى الله الإنسان كثيراً، والآن يعطيه ذاته... تحوّل العطاء فى هذه الليلة التاريخية إلى شهوة مقدسة فى قلب ربنا محبة لنا «شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم» (لو٢٢: ١٥)... وكأن الرب يقول لنا: لا يكفى أن اموت لأجلكم واخلصكم، بل أكثر من ذلك، أن أكون لكم طعاماً تحيون به، واضمن لكم الحياة. جسدى هو الحياة وهو عربون الميراث الأبدى. ومن يأكلنى يحيا بى وأنا اقيمه فى اليوم الأخير (يو٦: ٥٤).
وفى وسط هذا الحب الدافق تظهر أمامنا صورة يهوذا الأسخريوطى ونقرأ عنه «فذاك (يهوذا) لما أخذ اللقمة خرج للوقت وكان ليلاً» (يو١٣: ٣٠)... والحديث يطول عن خيانة يهوذا... المسيح يبذل عربون الحياة جسده المقدس، وهو يخونه ويتآمر عليه... على أى حال، فهذا هو ما وصل إليه الإنسان. وهذا ما جاء المسيح ليصلحه، ويخلق الإنسان خلقة جديدة شبيهة بحسنه... ويعوزنا الوقت إن تأملنا فى خيانة الإنسان، وكيف قابل المسيح هذه الخيانة بالحب والخلاص... ما أصدق قول القديس غريغوريوس فى قداسه «حولت لى العقوبة خلاصاً...»..
‹ص ١٩٧›
رفع بخور باكر خميس العهد:
يبتدئون الخدمة بقراءة فصل من سفر الخروج (١٧: ٨) عن حرب عماليق واسرائيل، وكيف أن موسى رفع ذراعيه وساعداه فى ذلك حور وهارون. وكان اسرائيل ينتصر طالما أن ذراعى موسى مرفوعتان. وهذا هو مثال الصليب... يقرأ هذا الفصل لأن المسيح يقترب من الصليب. ثم فصول أيضاً من الخروج واشعياء وحزقيال وعظة للقديس يوحنا ذهبى الفم، والكلام فيها عن الاستعداد للتناول من جسد الرب ودمه. ويقول فيها «وكما أن الكلمة التى نطق بها (الله) مرة واحدة منذ البدء قائلاً: اكثروا وانموا واملأوا الأرض هى دائمة فى كل حين تفعل فى طبيعتنا زيادة التناسل، كذلك الكلمة التى قالها المسيح على تلك المائدة (الافخارستيا) باقية فى الكنائس إلى هذا اليوم، وإلى مجيئه مكّملة كل عمل الذبيحة»... ثم تقال ⲑⲱⲕ ⲧⲉ ϯ ϫⲟⲙ كعادة البصخة. ثم يقول الكاهن ايليسون ايماس ويفتح ستر الهيكل وابانا الذى...
يصلى الكاهن صلاة الشكر وتقال ارباع الناقوس والمزمور الخمسين (ارحمنى يا الله كعظيم رحمتك). ثم يصلى الكاهن أوشيتى المرضى والقرابين.. وتقال الذكصولوجيات المناسبة، ويطوف الكاهن البيعة بالبخور بدون تقبيل بسبب قبلة يهوذا. وبأنتهاء الذكصولجيات، يقال قانون الإيمان بحسب الطقس. ويقول الكاهن ⲫϯ ⲛⲁⲓ ⲛⲁⲛ ويجاوبونه كيرياليسون بالناقوس.
بعدها يقال اللحن الجميل ⲫⲁⲓ ⲉ̀ⲧⲁϥⲉⲛϥ وتفسيره:
«هذا الذى اصعد ذاته ذبيحة مقبولة على الصليب عن خلاص جنسنا. فاشتمّه أبوه الصالح وقت المساء علىْ الجلجثة» بعد ذلك يقرأ الأبركسيس باللحن الحزاينى... ثم تقال قطعة عن خيانة يهوذا وهم يطوفون البيعة من اليسار على عكس المألوف... ثم تقال آجيوس بلحن الحزن ثم أوشية الانجيل ثم يقرأ المزمور والانجيل بالطريقة الحزاينى، ثم الطرح المألوف فالطلبة وتكمل الصلاة كالمعتاد.
ثم يُصَلّى اللقانْ وسيأتى الكلام عليه وبعده القداس الإلهى.
‹ص ١٩٨›
قداس خميس العهد:
يقدم الحمل بدون مزامير، ويُقرأ فصل البولس، ولا يقرأ الكاثوليكون والأبركسيس. ولا تصلى صلاة الصلح لأجل خيانة يهوذا وقبلته الغاشة. ولا يقال المجمع ولا الترحيم. بل من أول «اهدنا إلى ملكوتك» حتى نهاية القداس.. ولا يقال التوزيع المعتاد أى المزمور (١٥٠) بل تقال النبوات.
يوم الجمعة العظيمة:
هذا اليوم هو أعظم أيام البشرية كلها ونقطة التحوّل فى حياتها. فيه تمّ الوعد القديم من الله للإنسان الأول قبل خمسة آلاف وخمسمائة عام لميلاد المسيح، أن نسل المرأة يسحق رأس الحية (تك٣: ١٥)... يجتمع المؤمنون فى هذا اليوم حول صليب المسيح سلاح نصرتهم وسرّ قوتهم. هذا هو اليوم الذى تمت فيه نبوات الأنبياء، واظهر الله محبته للبشر بأكثر مما يتصورون أو تذهب إليه عقولهم... هذا هو اليوم الذى صلب فيه الإله المتأنس ربنا يسوع المسيح... ومهما قيْل أو كُتب، فلن يستطيع متكلم أو كاتب أن يُلمّ بعظم محبة الله التى تجلت فى حادث الصليب. وسوف لا نخوض فى دقائق وتفاصيل طقوس هذا اليوم المقدس بألحانه الرائعة، التى يجمع بعضها بين الحزن والخشوع اعلاناً أن ذاك الذى مات إنما هو حىّ... إن طقوس هذا اليوم تفصح عما تنطوى عليه. لذا سوف لا نذكر تفاصيل طقوسه.
ليلة سبت الفرح (أبوغلمسيس):
● فى هذه الليلة تصعد بنا الكنيسة فيها إلى السماء... إنها تقدّم اجابة عن كل من يسأل عن الأبدية والحياة فيها.
● فى هذه الليلة تسهر الكنيسة حسب وصية المسيح لنا مراراً كثيرة.. ونسهر معه، ونسهر وحتى لا ندخل فى تجربة...
● هذه الليلة هى عبور من الموت إلى الحياة. وتعبّر الكنيسة عن ذلك فى الحانها حينما يقال نصف اللحن بطريقة الحزن والنصف الآخر بالنغم المعتاد (السنوى)، تجسيداً لمعنى العبور من الموت إلى الحياة. فالمسيح الذى مات هو حىّ، ‹ص ١٩٩› وسيعلن عن قيامته فجر الأحد. والمؤمنون بيسوع قد انتقلوا من الموت إلى الحياة كما قال الرب يسوع نفسه (يو٥: ٢٤)... لقد نقلهم من الموت إلى الحياة. وليس فقط من خلال الألحان، بل من خلال قراءات هذه الليلة كما سوف نرى ومعظمها تسابيح، وتختم بقراءة سفر الرؤيا... ونستعرض الآن هذه القراءات:
+ تسبحة موسى النبى الأولى (الهوس الأول) وعبور شعب الله قديماً البحر الأحمر بطريقة معجزية خارقة هى عبور من الموت إلى الحياة.
+ صلاة حنة أم صموئيل النبى (١مل٢: ١-١١)... حنة هذه التى اعطاها الله ولداً من مستودع ميت هى حياة بعد موت.
+ صلاة حبقوق النبى (٣: ٢-١٩)، وفيها يقول «أما أنا فاتهلل بالرب وافرح بالله مخلصى... يرفعنى على الأعالى لأغلب بتسبحته».
+ صلاة يونان النبى (٢: ٢-١٠) المزمع أن يخرج من بطن الحوت... أنه خروج من الموت إلى الحياة «صرخت إلى الرب إلهى فى ضيقتى فسمعنى من بطن الجحيم وسمع صوتى».
+ صلاة حزقيا النبى ملك يهوذا حين مرض وقام من مرضه (اش٢٨: ١٠-٢٠)... وهذا سمعه الله واطال عمره خمس عشرة سنة أخرى بعد موعد موته المحدّد.
+ تسبحة الثلاث فتية القديسين فى اتون نار بابل... هؤلاء الفتية انتقلوا من الموت إلى الحياة، إذ كان المسيح معهم -داخل الموت- لقد كان يُرى معهم داخل الأتون رابع شبيه بابن الآلهة..
+ وقصة سوسنة العفيفة التى كان محكوماً عليها بالموت ثم انقذت منه... إنه عبور من الموت إلى الحياة.
وهكذا بالتأمل فى بقية التسابيح، نصل إلى فكرة الانتقال من الموت إلى الحياة..
إن طقس ليلة سبت الفرح ملء بالاشارات، بل ويأخذنا معه فعلاً إلى الحياة السمائية الملائكية، كانتقال من الموت إلى الحياة... الألحان تتخللها أكثر من ‹ص ٢٠٠› زفة. الكهنة والشمامسة والشموع الموقدة، وهم يطوفون حول المذبح والبيعة فى بهجة وفرح عجيبين. إن من يمارس هذا الطقس المفرح ويحيا فيه، يشعر فعلاً أنه يأخذ عربون الحياة الملائكية التى هى حياة التسبيح.
+ وهكذا فإن الكنيسة تنتقل بنا إلى فرح القيامة، وما بعد القيامة، حينما تختم الليلة فى فجر السبت مع سفر الرؤيا. الكهنة والشمامسة وكل الشعب وسط سبعة قناديل زيت موقدة رمز لسبعة أرواح الله التى أمام عرشه (رؤ١: ٤)، ورمز للسبعة مصابيح المتقدّة ناراً التى رآها يوحنا (رؤ٤: ٥). إنها رمز للسبعة ملائكة الذين يقفون أمام الله. وهى ترمز كذلك للسبع مناير ذهبية (رؤ١: ١٢)، والسبعة كواكب التى فى يمين ابن الله (رؤ١: ١٦).
مما يلاحظ فى ليلة سبت الفرح:
+ السهر فى هذه الليلة نتذكر سهر السيد المسيح ليلة آلامه فى بستان جثيمانى، ومعاتبته لتلاميذه لأنهم لم يسهروا معه (مت٢٦: ٣٦-٤٤؛ مرقس ١٤)... يقول سفر الرؤيا «طوبى لمن يسهر ويحفظ ثيابه لئلا يمشى عرياناً فيروا عورته» (رؤ١٦: ١٥)... ويقول رب المجد لملاك كنيسة ساردس «كن ساهراً... فإنى إن لم تسهر أقدم عليك كلص ولا تعلم أية ساعة أقدم عليك» (رؤ٣: ٢، ٣) [انظر مت٢٤: ٤٢؛ ٢٥: ١٢؛ مر١٣: ٣٥؛ لو٢١: ٣٦؛ ١كو١٦: ١٣؛ ١بط٥: ٨].
التسابيح الكثيرة...
تبدأ ليلة سبت الفرح بتلاوة المزمور ١٥١ (وهو غير موجود فى الطبعة البيروتى)، ولذلك اسجلّه هنا... يقول داود «أنا الصغير فى اخوتى، والحدث فى بيت أبى، كنت راعياً غنم أبى. يداى صنعتا الأرغن، واصابعى الفت المزمار الليلويا. من هو الذى يخبر سيدى. هو الرب الذى يستجيب لجميع الذين يصرخون إليه. وهو ارسل ملاكه ورفعنى من غنم أبى، ومسحنى بدهن مسحته. اخوتى حسان وكبار، والرب لم يُسَرّ بهم. خرجت للقاء الفلسطينى فلعننى بأوثانه. فاستليت سيفه الذى كان بيده ونزعت رأسه عنه. ونزعت العار عن بنى اسرائيل الليلويا.
‹ص ٢٠١› ● فيما يختص بالتسبيح فإنه عمل مكمّل للصلاة، بل هو صلاة سامية... يخاطب المرتل الله ويقول له «وأنت القدوس الجالس بين تسبيحات اسرائيل» (مز٢٢: ٣)... «وجعل فى فمى ترنيمة جديدة تسبيحه لإلهنا» (مز٤٠: ٣)... «هلليلويا. غنوّا للرب ترنيمة جديدة تسبيحته فى جماعة الأتقياء. ليفرح اسرائيل بخالقه. ليبتهج بنو صهيون بملكهم. ليسبحّوا اسمه برقص. بدف وعود ليرنموا له» (مز١٤٩: ١-٣)... «بتسبيح الرب ينطق فمى، وليبارك كل بشر إسمه القدوس إلى الدهر والأبد.» (مز١٤٥: ٢١).
● تبدأ التسابيح هذه الليلة بتسبحة موسى النبى الأولى من (خر١٥: ١-٢١) وهى عبارة عن الهوس الأول وقبلها يقال لبش الهوس الثانى ويقولونه بالناقوس بلحنها المعروف والشمامسة وهم يطوفون البيعة ⲙⲁⲣⲉⲛⲟⲩⲱⲛϩ ⲉ̀ⲃⲟⲗ ⲙ̀ⲡⲓⲭⲣⲓⲥⲧⲟⲥ ⲡⲉⲛⲛⲟⲩϯ وتفسيره «فلنشكر المسيح إلهنا مع المرتل داود النبى، لأنه خلق السموات وجنودها، وأسس الأرض على المياه... إلخ»
● ثم يقولون التسبحة الثانية لموسى النبى (تث٣٢: ١-٤٣)؛ وصلاة حنة أم صموئيل النبى (١صم٢: ١-١٠)؛ وصلاة حبقوق النبى (حب٣: ٢-١٩)؛ وصلاة يونان النبى (يون٢: ١-٩)؛ وصلاة حزقيا ملك يهوذا حين مرض وقام من مرضه (اش٣٨: ١٠-٢٠)؛ وصلاة منسى بن حزقيا ملك يهوذا؛ وتسبحة اشعياء النبى الأولى (أش٢٦: ٩-٢٠)؛ وتسبحته الثانية (اش٢٥: ١-١٢)؛ وتسبحته الثالثة (اش٢٦: ١-٩)؛ وتسبحة أرميا النبى (مراثى ٥: ١٦-٢٢)؛ وتسبحة باروخ النبى (باروخ ٢: ١١-١٦)؛ وتسبحة إيليا النبى (١مل١٨: ٣٦-٣٩)؛ وصلاة داود النبى (١أى٢٩: ١٠-١٣)؛ وصلاة سليمان الملك (١مل٨: ٢٢-٣٠)؛ وصلاة دانيال النبى (دا٩: ٤-١٩)؛ ورؤيا دانيال النبى من أجل الثلاثة فتية القديسين (دا٣: ١-٢٣)؛ وصلاة عزاريا فى وسط النار.
ثم تقرأ تسبحة مريم العذراء (لو١: ٤٦-٥٥)؛ وصلاة زكريا الكاهن (لو١: ٦٨-٧٩)؛ وصلاة سمعان الكاهن (لو٢: ٢٩-٣٢). ثم قصة سوسنة. ثم يرتلون بالناقوس ⲧⲉⲛⲟⲩⲉϩ ⲛ̀ⲥⲱⲕ (نتبعك بكل قلوبنا ونخافك ونطلب وجهك يا الله لا تخزنا... إلخ». يقولونها وهم يطوفون البيعة ثلاث مرات.
‹ص ٢٠٢›
صلاة باكر سبت الفرح:
يرفع الكاهن البخور كالمعتاد، وتقال ارباع الناقوس وارحمنى ياالله، ثم يقول الكاهن اوشيتى المرضى والراقدين «وتفضل يارب»، ثم تكمل التسبحة. ثم يقول الكاهن أوشية القرابين. ثم يطوف البيعة بالبخور بينما يقول الشمامسة الذكصولوجيات، ثم قانون الإيمان، وبعده ⲫϯ ⲛⲁⲓ ⲛⲁⲛ والمرد آمين كيرياليسون وهم يطوفون البيعة. وتكمل الصلاة حسب طقسها.
وبانتهاء رفع بخور باكر يصلون مزامير الساعة الثالثة ونبواتها والانجيل، نصفه بلحن الحزن والنصف الآخر بالطريقة السنوى، وكيرياليسون (٤١) مرة... ثم تصلى مزامير الساعة السادسة بنفس النظام السابق.
قراءة سفر الرؤيا:
سبق أن قلنا أن حكمة الكنيسة فى الترتيب السابق لهذه الليلة، أن تظل الكنيسة ساهرة لأن هذه هى وصية مخلصها، وهى تسبّح تسابيحها، تعبيراً عن فرحتها بانتقالها من الموت إلى الحياة، حتى اليوم نفسه يسمى «سبت الفرح». لقد مات ابن الله وتم الخلاص بالصليب، وفتحت السماء التى كانت مغلقة، من اجل هذا ونحن نسبح بفرح. أولاً لهذا الحادث -فتح السماء- وثانياً لأن هذه هى الحياة، التى سنعيشها هناك -حياة التسبيح- إن هذا التسبيح يليق بالمفديين... يقول يوحنا فى رؤياه... «وبعد هذا سمعت صوتاً عظيماً من جمع كثير فى السماء قائلاً هلليلويا. الخلاص والمجد والكرامة والقدرة للرب إلهنا... وخرج من العرش صوت قائلاً: سبحوا لإلهنا يا جميع الخائفين والكبار» (رؤ١٩: ١، ٥). أما سبب قراءة سفر الرؤيا فى تلك الليلة، فهى أن الكنيسة تصف لابنائها حياتهم الآتية فى السماء فى أورشليم السمائية. وما يصاحب قراءة هذا السفر من ألحان غاية فى الروعة... إنها تقدّم صورة المجد الذى ينتظرهم فى السماء.
‹ص ٢٠٣›
قداس سبت الفرح:
ثم يصلى قداس سبت الفرح كالمعتاد. ويرتل المزمور والانجيل نصفهما بلحن الحزن والنصف الثانى بالطريقة السنوى. ولا تصلى صلاة الصلح. ويكمّل القداس، ويقال المجمع ويُعمل ترحيم لجميع المسيحيين، ثم ⲛⲏⲙⲉⲛ ⲡⲟ̅ⲥ̅ «أولئك يارب الذين أخذت نفوسهم». ولا يقال المزمور (١٥٠)، بل تقال قطع من المزامير.
الخماسين المقدسة:
الخماسين المقدسة، ويُقصد بها مدة الخمسين يوماً التى تلى عيد القيامة، إنما ترمز للحياة فى السماء... فبموت المسيح وقيامته فتحت السماء بعد أن ظلت مغلقة أكثر من خمسة آلاف وخمسمائة سنة... مدة الصوم الكبير يرمز لجهاد الإنسان فى الحياة، والخماسين المقدسة ترمز للمكافأة الأبدية... يوم الجمعة العظيمة تذكار لموت المسيح، ويوم السبت تذكار وجوده فى القبر، وقام فى فجر الأحد... الخماسين المقدسة من حيث كونها ترمز للحياة فى السماء، فهى أيام فرح، والكنيسة تعلّم بالامتناع عن الصوم والمطانيات وكل أعمال التذلل. لا يُسمع فى الكنيسة فى فترة الخماسين إلا ألحان الفرح حتى فى جنازات المنتقلين... وتعليم الكنيسة هذا مستمد مما جاء فى سفر الرؤيا عن حياة المفديين فى السماء «لن يجوعوا بعد، ولن يعطشوا بعد، ولا تقع عليهم الشمس ولا شىء من الحرّ. لأن الخروف الذى فى وسط العرش يرعاهم ويقتادهم إلى ينابيع ماء حيّة، ويمسح الله كل دمعة من عيونهم» (رؤ٧: ١٦، ١٧)... ثم رأيت سماءً جديدة وأرضاً جديدة، لأن السماء الأولى والأرض مضتا، والبحر لا يوجد فيما بعد. وأنا يوحنا رأيت المدينة المقدسة أورشليم الجديدة نازلة من السماء من عند الله مهيأة كعروس مزينة لرجلها. وسمعت صوتاً عظيماً من السماء قائلاً: هوذا مسكن الله مع الناس، وهو سيسكن معهم، وهم يكونون له شعباً، والله نفسه يكون معهم إلهاً لهم. وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم. والموت لا يكون فيما بعد. ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع فيما بعد، لأن الأمور الأولى قد مضت. وقال لى اكتب فإن هذه الأقوال صادقة وأمينة» (رؤ٢١: ١-٥)...
‹ص ٢٠٤› فهمنا مغزى الخماسين المقدسة التى تأتى بعد موت الرب يوم الجمعة العظيمة، وأحد القيامة الذى نحتفل فيه بقيامته... لذلك فإن الاحتفال بشم النسيم يوم الأثنين التالى ليوم أحد القيامة، إنما يرمز لفتح الفردوس. وكلمتا شم النسيم كلمتان قبطيتان ϣⲱⲙ ⲛ̀ⲛⲓⲥⲓⲙ ومعناهما حديقة أو بستان العشب.
اللقان (قداس الماء):
يُحتفل به ثلاث مرات فى السنة: فى عيد الغطاس (١١ طوبه) تذكار عماد السيد المسيح. وتتم صلواته قبل رفع بخور باكر، وهو موجه للإبن. ويوم خميس العهد، وموعده متغير لارتباطه بالصوم الكبير، وهو تذكار غسل السيد المسيح لأرجل تلاميذه. وتبدأ صلواته بعد سواعى الثالثة والسادسة والتاسعة من البصخة، وهو موجه للإبن. ويوم عيد الرسل فى الخامس فى شهر أبيب، وهو أيضاً موجه للابن.
فى لقان الغطاس يرشم الكاهن كل فرد من الشعب بالماء ثلاثة رشوم فى جبهته، على مثال ما صنع يوحنا المعمدان مع السيد المسيح.
وفى لقان خميس العهد يغسل الكاهن ارجل الشعب مثالاً لما صنعه السيد المسيح.
وفى لقان عيد الرسل يغسل الكاهن اقدام الشعب، لأنه تعبير عن الخدمة الحقيقية، التى بدأها المسيح «ابن الإنسان لم يأت ليُخدم بل ليخدم، ويبذل نفسه فدية عن كثيرين».
وكل من هذه اللقانات تبدأ صلواته بصلاة الشكر، ومجموعة من نبوات العهد القديم تتمشى مع مناسبة اللقان، وفصل من رسائل بولس الرسول، ثم آجيوس وأوشية الانجيل، فالإنجيل، ثم السبع أواشى (المرضى والمسافرين، وأهوية السماء، وأوشية الملك، وأوشية الراقدين، وأوشية القرابين، وأخيراً أوشية الموعوظين). ثم يبدأ القداس: «محبة الله الآب ونعمة الإبن الوحيد الجنس ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، وموهبة الروح القدس تكون مع جميعكم»... و«ارفعوا قلوبكم» و«فلنشكر الرب»... وتقال آجيوس (الكاهن) ثم بعض طلبات. وأخيراً يقول الكاهن «مبارك الرب يسوع المسيح وقدوس الروح القدس آمين». ثم يقول الكاهن التحاليل الثلاثة: للابن ثم يرتل الشمامسة المزمور المائة وخمسين.
‹ص ٢٠٥›
عيد العنصرة (الخمسين):
عيد العنصرة أو الخمسين عيد يهودى، وكان يحتفل به فى اليوم الخمسين من عيد الفصح. وكلمة عنصرة كلمة عبرية وتعنى اجتماع حيث كان اليهود يجتمعون ويعيّدون فى هذا العيد... فى عيد الخمسين الأول، أى بعد خروج بنى اسرائيل من مصر بخمسين يوماً اعطى الله الشريعة لموسى النبى فى جبل سيناء...
وقد مارس رسل ربنا يسوع المسيح الاحتفال بيوم الخمسين، حيث كان عيد الخمسين اليهودى إنما يرمز لعيد الخمسين المسيحى. هذا واضح من قول بولس الرسول «ولكننى أمكث فى افسس إلى يوم الخمسين» (١كو١٦: ٨). ويقول القديس لوقا كاتب سفر أعمال الرسل «لأن بولس عزم أن يتجاوز أفسس من البحر لئلا يعرض له أن يصرف وقتاً فى آسيا. لأنه كان يُسرع حتى إذا أمكنه يكون فى أورشليم فى يوم الخمسين» (أع١٨: ٢٠).
وقد شاءت العناية الإلهية أن يتفق توقيت عيد الخمسين اليهودى مع عيد الخمسين المسيحى، وهو اليوم الذى حلّ فيه الروح القدس على الكنيسة الأولى... وبحسب التدبير الإلهى اختار الرب هذه المناسبة عند اليهود موعداً لانسكاب الروح القدس على جميع التلاميذ المؤمنين المجتمعين فى عليّة صهيون، ومولد الكنيسة حيث تتم رموز واشارات:
كان عيد الخمسين عند اليهود له ثلاث تسميات:
عيد الحصاد (خر٢٣: ١٦)؛ وعيد أوائل الثمار (عدد٢٨: ٢٦)؛ وعيد الأسابيع (تث١٦: ٩، ١٠؛ لا٢٣: ١٥)... كان هذا العيد من حيث تسميته بعيد الأسابيع يبدأ مباشرة بعد عيد الفصح، بتقديم أول حزمة من حصاد الشعير، وينتهى فى عيد الخمسين بتقديم أول رغيفين من حصاد القمح. وكان يحتفل بعيد الخمسين يوماً واحداً. وهو من أعياد اليهود الثلاثة الكبرى السنوية، وهى الفصح (عيد الفطير)؛ وعيد الحصاد (الخمسين)؛ وعيد المظال، وهو عيد الجمع فى نهاية السنة، عندما يجمعون غلاتهم من الحقل. وكان يتحتم بحسب الشريعة اليهودية على جميع ذكور بنى اسرائيل أن يظهروا فيها أمام الرب إلههم (تث١٦).
‹ص ٢٠٦› وكان عيد الخمسين عند اليهود عيد فرح وبهجة. وكان -نظراً لوقوعه فى الطف فصول السنة من ناحية الطقس- يجذب اعداداً ضخمة من اليهود الذين خارج أورشليم. ويوسيفوس المؤرخ اليهودى فى القرن الأول المسيحى، يصف هذا العيد، ويتكلم عن عشرات الآلاف من اليهود الذين كانوا يجتمعون حول الهيكل فى هذه المناسبة. وكان عدد كبير من اليهود الوافدين من بلاد بعيدة إلى أورشليم لحضور عيد الفصح، يبقون فيها حتى يحضروا عيد الخمسين أيضاً.
كان عيد الخمسين عند اليهود إذن بحسب ما جاء فى الكتب المقدسة، هو عيد الحصاد، أو عيد أوائل الثمار، أو عيد الأسابيع. لكنه كان أيضاً -طبقاً لتقليد الربيين فى التلمود- هو عيد الاحتفال السنوى بتدكار تسليم الشريعة فى سيناء. يقول التقليد اليهودى أن موسى استلم الشريعة فوق جبل سيناء فى اليوم الخمسين لخروج بنى اسرائيل من مصر. ومن هنا جاءت تسميته بالعبرية «عيد البهجة بالناموس»... وكانت هناك عادة يهودية قديمة حرص اليهود عليها -ومازالوا حتى الآن- حيث كانوا يقضون الليلة السابقة لعيد الخمسين فى تقديم الشكر لله من أجل عطية الناموس.
كان اليهود يحتفلون بعيد الخمسين كعيد لحصاد المزروعات، فأضحى فى المسيحية عيداً لحصاد الزرع الجيد الذى هو بنو الملكوت (مت١٣: ٣٨). وكانوا يحتفلون به عيداً لأوائل الثمار الزراعية، فغدا فى المسيحية عيداً لأوائل الثمار الخلاصية، حين آمن فى أول عيد خمسين مسيحى ثلاثة آلاف نفس دفعة واحدة!! وكان اليهود يحتفلون به كتذكار لاعطائهم الشريعة المكتوبة على لوحين من حجر، فاصبح عيداً للروح القدس، روح الحياة الذى كتبت به وصايا الله، لا فى ألواح حجرية- بل فى ألواح قلب لحمية.
وثمة فكرة أخرى: فالعدد خمسين (ونحن نتكلم عن عيد الخمسين) فى الكتاب المقدس، يشير إلى العفو والصفح... ففى العهد القديم كانت تقدّس السنة الخمسون -وتعرف بسنة اليوبيل- ويُعفى المدينون من ديونهم، ويحرر العبيد «وتقدسون السنة الخمسين، وتنادون بالعتق فى الأرض لجميع سكانها. تكون لكم يوبيلاً. وترجعون كل إلى ملكه، وتعودون كل إلى عشيرته» (لا٢٥: ١٠)... كانت هذه ‹ص ٢٠٧› السنة تبدأ بيوم الكفّارة، حين يضربون بالبوق إيذاناً ببدء سنة اليوبيل. فالعدد خمسين كان يُنظر إليه كرمز للعفو.
هكذا رأى علماء اليهود وعلى رأسهم فيلو Philo الفيلسوف اليهودى السكندرى فى القرن الأول الميلادى، وكليمنضس الاسكندرى فى القرن الثانى، والعلامة أوريجينوس فى القرن الثالث..
صلاة السجدة:
رتبت الكنيسة أن تقام صلوات السجدة فى الساعة التاسعة (الثالثة بعد الظهر بالتقويم الحالى)... أمر الله شعبه قديماً بعمل الفصح عند غروب الشمس. وفى مثل هذا الوقت خرجوا من مصر (تث١٦: ٦)... وعلى ذلك فقد رتبت الكنيسة عمل السجدة فى الساعة التاسعة (الثالثة بعد الظهر) اشارة إلى أن يسوع فصحنا الحقيقى الذى ذُبح فى مثل هذا الوقت (مت٢٧: ٤٦)، وفى نفس الوقت الذى كان يُذبح فيه خروف الفصح، إذ ارتفع بيمين الله وأخذ موعد الروح القدس من الآب، سكبه على تلاميذه يوم الخمسين من قيامته (أع٢: ٣٣).
أما عن طقس صلاة السجدة التى تتم بعد ظهر يوم الخمسين فنقول:
تتم صلوات السجدة على ثلاثة طقوس على إسم الثالوث الأقدس...
السجدة الأولى والثانية وتقام صلواتهما بالخورس الثانى (مكان صلوات البصخة). والسجدة الثالثة بالخورس الأول أمام الهيكل وبعد فتح الستر... وتقدم الكنيسة صلوات السجدة مصحوبة ببخور كثير استعطافاً لله واستمطاراً لرحمته، وذلك اشارة إلى أن الله حينما اعطى موسى شريعة العهد القديم فى يوم الخمسين من خروج بنى اسرائيل من مصر بعد تقدمة الفصح، كان ذلك بين اصوات الرعود والبروق. وكان جبل سيناء كله يُدخّن، نظراً لحلول الله على الجبل (خر١٩: ١٦-١٨).
وصلوات السجدة تبدأ بصلاة الشكر وتقرأ نبوات، وبعض الرسائل والاناجيل، وبعض الأواشى، ثم الطلبة بعد كل صلاة والشعب سجود... هذه خلاصة صلوات السجدة.
