المفهوم الأرثوذكسى للعبادة الكنسية
- الكنيسة المسيحية.
- روعة الكنيسة.
- من الذى يقوم بخدمة العبادة الكنسية.
- ماذا تعنى كلمة عبادة.
- ماذا تعنى كلمة أرثوذكسية
- ارتباط العبادة الكنسية بالطقوس وحكمتها.
- ارتباط العبادة الكنسية بالروحانية.
‹ص ١٠› يقول داود النبى والمرتل «مساكنك محبوبة أيها الرب إله القوات. تشتاق وتذوب نفسى للدخول إلى ديار الرب. قلبى وجسمى قد ابتهجا بالإله الحىّ، لأن العصفور وجد له بيتاً، واليمامة عشاً لتضع فيه فراخها، مذابحك يارب إله القوات ملكى وإلهى، طوبى لكل السكان فى بيتك يباركونك إلى الأبد... لأن يوماً صالحاً فى ديارك خير من آلاف» (مز٨٤ الترجمة القبطية).
موضوع اليوم هو عن «العبادة الكنسية بحسب مفهومها الأرثوذكسى»... وقبل أن نتناول موضوع العبادات، أرى من المناسب أن نقول كلمة عن الكنيسة التى تمارس بها العبادات...
الكنيسة المسيحية:
الكنيسة هى، بيت الله، وهى باب السماء. هى عروس المسيح التى اقتناها بدمه (أع٢٠: ٢٨). هى سفارة السماء على الأرض (٢كو٥: ٢٠)، وهى عمود الحق وقاعدته (١تى٣: ١٥)... لا خلاص خارج الكنيسة، فما من أحد يمكن أن يكون الله أباً له ما لم تكن الكنيسة أمه، التى تلده ميلاداً ثانياً جديداً من الماء والروح فى سرّ المعمودية المقدس، فيصبح إبناً لله. كما يقول القديس كبريانوس... وحينما نتكلم عن الكنيسة نتحدث عن أمجاد لا يُنطق بها... يقول أحد الآباء «الحق إننى فى خدمة القداس الإلهى ادهش: هل ارتفعت الكنيسة إلى السماء نحو عريسها الإلهى، أم تحولت الأرض وصارت سماءً، فجاء العريس السماوى مع مصاف ملائكته يحتضن عروسه التى أحبّها».
الكنيسة هى شخصية حيّة جامعة، قوامها جسد المسيح السرّى (غير المنظور)، واعضاؤها هم المؤمنون بالروح والحق... والمؤمنون المتحدون فى جسمها يظلون أحياء فيها، حتى بعد انتقالهم، لا يفصلهم الموت عنها... بل هم أحياء يشتركون مع الأحياء بالجسد فى وحدة القصد والصلاة والشفاعة المتبادلة... هذا هو مفهوم الكنيسة بالمعنى الواسع. أما المفهوم المحدد، فهو أن كل كنيسة ما هى إلا اجتماع موسّع لعشاء المسيح الأخير مع رسله، الذى فيه أسس سرّ ‹ص ١١› الأفخارستيا، واعطاهم جسده ودمه الأقدسين.
فى الكنيسة أيضاً يجتمع المؤمنون كما فى «بيت الملائكة» يشتركون معهم فى ليتورجياتهم السماوية وصلواتهم وتسابيحهم. ويكونون فى صحبتهم على الدوام، يتدربون على تسبيح «الترنيمة الجديدة» (رؤيا ١٤: ٣) بلغة ملائكية... هنا، كما رأى هرماس فى كتابه الراعى تفرح الملائكة إذ يرون برج الله السماوى يتكمل بناؤه فينا، ممجدين الله على بنيان الكنيسة الروحى المستمر.
وعظمة الكنيسة وسموّها يظهران حينما ترجع إلى الرمز فى العهد القديم... أما الرمز فكان هو خيمة الاجتماع... قال الله لموسى «انظر أن تصنع كل شىء حسب المثال الذى أظهر لك فى الجبل» (خرو٢٥: ٤٠، عب٨: ٥). وقد أشار بولس الرسول إلى الكنيسة «شبه السماويات وظلها» (عب٨: ٥)... أى أن خيمة الاجتماع -التى هى رمز للكنيسة المسيحية- كانت تشبيهاً للصلة التى تربط السماء بالأرض أو الإنسان بالله...
روعة الكنيسة:
كانت الخيمة من خارج لا منظر لها ولا جمال... من الخارج يرى الناظر إليها جلود تُخُسٍ وكباش (خروج ٣٦: ١٤)، لكنها من الداخل كانت مزينة بمفاخر الحرير الاسمانجونى والكتان الأبيض النقى، والذهب والفضة والخشب العطر (خروج ٢٥)... كان إسمها «خيمة الاجتماع»، يدل على حقيقتها، حيث يجتمع الله مع شعبه. يقول السيد الرب لموسى «حيث اجتمع بكم لأكلمك هناك. واجتمع هناك ببنى اسرائيل «وأكون لهم إلهاً» (خروج ٢٩: ٤٢-٤٥)... وهكذا نرى أن الكنيسة لا تعنى اجتماع المؤمنين ببعضهم، بل بالدرجة الأولى اجتماع الله بهم، ووجودهم فى حضرته... نفس المعنى يعلنه الله ليوحنا فى رؤياه... «وأنا يوحنا رأيت المدينة المقدسة أورشليم الجديدة نازلة من السماء، من عند الله، مهيأة كعروس مزينة لرجلها. وسمعت صوتاً عظيماً من السماء قائلاً: هوذا مسكن الله مع الناس. وهو سيسكن معهم، وهم يكونون له شعباً، والله نفسه يكون معهم إلهاً لهم» (رؤيا ٢١: ٢، ٣).
‹ص ١٢› وهنا يبرز سؤال: لماذا أمر الله بخيمة الاجتماع عقب خروج شعبه من مصر وليس قبل ذلك؟
كانت ارادة الله من أقامة خيمة الاجتماع أن يسكن وسط شعبه... لكن لنلاحظ الآتى: كان الفلك وسيلة خلاص لأسرة نوح، أسرة الإيمان. لكن الله لم يسكن معهم. وكان لله شركة مع ابراهيم واظهر ذاته له مراراً. وأحاطت عناية الله بيعقوب وذريته، لكن الله لم يسكن مع هؤلاء رغم حبه لهم... لماذا؟ لأنه ما كان ممكناً أن يسكن الله وسط شعبه إلا بعد إتمام الفداء بالدم ولو رمزياً، أى بعد الصلح. كان لزاماً أن يُذبح خروف الفصح، ويخرج الشعب بقوة الدم، ويعتقوا من العبودية قبل أن يكون لله بيت مقدس فى وسطهم!! وهكذا ظهرت كنيسة العهد الجديد بعد الخلاص الذى أكمله السيد المسيح- فصحنا الجديد (١كو٥: ٧) وذبح على الصليب...
من الذى يقوم بخدمة العبادة فى الكنيسة؟
ويرتبط موضوع العبادة بمن يقوم بها فى الكنيسة، خاصة العبادات الطقسية. وهنا يبرز سؤال يطرح نفسه. إذا كان الكهنة هم الذين يتممون طقوس العبادة، فهل يوجد كهنة وكهنوت فى كنيسة المسيح التى للعهد الجديد؟
نعم يوجد كهنة وكهنوت... والكهنوت هو أحد أسرار الكنيسة السبعة، بل هو تاجها. وإذا أردنا أن نعرّفه نقول إنه السرّ الذى يخوّل بعض الخدام السلطان لمباشرة الخِدَم الكنسية الروحية من أسرار وغيرها. ويُعطَى الكهنوت بوضع يد الأسقف على رأس المختار لهذه الرتبة الكهنوتية. والرسامة الكهنوتية تسمى فى اللغة اليونانية شرطونية χειρτονια ومعناها الحرفى وضع اليد بقصد الرسامة الكهنوتية.
هل وردت كلمة شرطونية بهذا المفهوم فى أسفار العهد الجديد؟ نعم...
فلقد مارس الآباء الرسل الخدمات الموكولة إليهم بهذا السلطان الكهنوتى المعطى لهم بالروح القدس وتمموا الأسرار. قال الرب يسوع قبيل صعوده لرسله القديسين «كما ارسلنى الآب ارسلكم أنا. ولما قال هذا نفخ وقال لهم اقبلوا الروح القدس. من غفرتم خطاياه تغفر له. ومن امسكتم خطاياه امسكت» (يوحنا ٢٠: ٢١، ٢٢). ‹ص ١٣› هذه النفخة اقتبل بها الرسل الروح القدس -لا للامتلاء- بل كسلطان كهنوتى لهم. أما حلول الروح القدس عليهم وامتلاؤهم منه، فقد تم فى يوم الخمسين (أع٢).
والرسول بولس دعا ذاته كاهناً يباشر الخدمة الكهنوتية... يقول إلى أهل رومية «ولكنى بأكثر جسارة كتبت إليكم قليلاً أيها الأخوة، كمن يذكركم بسبب النعمة التى وهبت لى من الله، لأكون خادماً للمسيح يسوع فى الأمم، مباشراً خدمة إنجيل الله الكهنوتية حتى يكون قربان الأمم مقبولاً ومقدّساً بالروح القدس» (رومية ١٥: ١٥، ١٦). [وردت فى الترجمة العربية البيروتية «مباشراً لإنجيل الله ككاهن»]... والمعنى الأول السابق ورد فى اللغتين اليونانية واللاتينية. وهكذا وردت فى العهد الجديد باللغة الانجليزية المعتمدة Revised Standard Version على النحو الآتى:
To be a minister of Christ Jesus to the gentiles in the priestly service of the gospel of God.
وفى ترجمة اكسفورد الصادرة سنة ١٩٧٠ وردت هكذا:
His grace has made me a minister of Christ Jesus to the gentiles, my priestly service is the preaching of the gospel of God.
وقد وردت هذه الآية فى الكتاب المقدس طبعة أورشليم سنة ١٩٦٨:
He has appointed me as a priest of Jesus Christ, and Iam to carry out my priestly duty.
هذا ونلاحظ أن الكلمة اليونانية المترجمة خادماً فى الآية السابقة هى كلمة Leitourgos وليست كلمة Diakono وتعنى الكلمة الأولى الخادم الذى يخدم خدمة الليتورجية، أى خدمة الذبيحة الإلهية فى القداس.
ويقول القديس بولس الرسول عن هذه الوظيفة الكهنوتية «لا يأخذ أحد هذه الوظيفة بنفسه، بل المدعو من الله كما هارون أيضاً» (عب٥: ٤). وهذا الكلام اشارة إلى من يتجرأ ليباشر خدمة الكهنوت من تلقاء ذاته.
‹ص ١٤› وتعاليم الرسل Didache التى أثبت العلماء أنها ترجع إلى أواخر القرن الأول المسيحى، تكلمت عن الباكورات ووجوب تقديمها لرئيس الكهنة. وهذا دليل قاطع على وجود الكهنوت المسيحى.
وقد أقام الرسل باكورة شمامسة العهد الجديد وعددهم سبعة بوضع أيديهم (أعمال الرسل ٦: ٦).
ويذكر القديس لوقا كاتب سفر أعمال الرسل أن بولس وبرنابا أقاما قسوساً فى الكنائس التى أسسوها بالصلاة ووضع أياديهما... «وانتخبا لهم قسوساً فى كل كنيسة. ثم صليا بأصوام واستودعاهم للرب، الذى كانوا قد آمنوا به» (أع١٤: ٢٣)... هكذا وردت هذه الآية فى الترجمة العربية البيروتية التى بين أيدينا... أما الكلمة اليونانية -وهى اللغة الأصلية التى كتب بها العهد الجديد- المترجمة «انتخبا» فهى χειροτονησαντες ومعناها الحرف وضع الأيدى. ويقصد بها الرسامة الكهنوتية (الشرطونية) على نحو ما سبق أن أوضحنا.
واللفظ -فى الآية السابقة- أكثر وضوحاً فى اللغة القبطية وهى من أقدم الترجمات وادقّها بعد اليونانية.
ⲁⲩⲭⲁ ϫⲓϫ ⲇⲉ ⲉ̀ϩ̀ⲣⲏⲓ ⲉϫⲉⲛ ϩⲁⲛⲡ̀ⲣⲉⲥⲃⲓⲧⲉⲣⲟⲥ
ترجمتها الحرفية «وضعا أياديهما على قسوس» وطبعاً وضع اليد الخاص بالرسامة الكهنوتية.
ووردت الآية السابقة فى الترجمة الشائعة باللغة اللاتينية للقديس جيروم They had ordained to them priests... وهكذا تصبح الترجمة الحرفية الدقيقة للآية السابقة المذكورة «رسما لهم قسوساً فى كل كنيسة بوضع أياديهما».
وقال بولس الرسول لتلميذه الأسقف تيموثاوس «لا تهمل الموهبة التى هى فيك، التى أوتيتها عن نبوة بوضع أيدى الكهنة عليك» (١تى٤: ١٤)
Do not neglect the spiritual endoument you posses which was given you under the guidance of prophesy, through the laying on of the hands through your ordination (ترجمة Oxford)
‹ص ١٥› وقال له أيضاً «لا تضع يداً على أحد بالعجلة، ولا تشترك فى خطايا الآخرين» (١تى٥: ٢٢). ووردت فى ترجمة جامعة Oxford
«Do not be over hasty in laying on hands in ordination»
كما يقول له «اذكّرك أن تضرم موهبة الله التى فيك بوضع يدىّ» (٢تى١: ٦).
ويكتب بولس الرسول لتلميذه الأسقف تيطس «من أجل هذا تركتك فى كريت، لكى تكمّل ترتيب الأمور الناقصة، وتقيم فى كل مدينة قسوساً كما أوصيتك» (تى١: ٥). والكلمة اليونانية المترجمة «تقيم» هى Kathistemi، ومعناها يرسم الرسامة الكهنوتية. ووردت فى اللغة القبطية هكذا ⲟⲩⲟϩ ⲛ̀ⲧⲉⲕⲥⲉⲙⲛⲓ ⲛ̀ϩⲁⲛ ⲡ̀ⲣⲉⲥⲃⲩⲧⲉⲣⲟⲥ، وترجمتها يرسم قسوساً.
وفى قصة سيمون الساحر الواردة فى (أع٨: ١٤-١٧) نقرأ أن الرسل فى أورشليم، لما سمعوا أن السامرة قبلت الإيمان المسيحى، ارسلوا الرسولين بطرس ويوحنا إليها ليمنحا المؤمنين الجدد الروح القدس... يقول كاتب سفر الأعمال «حينئذ وضعا الأيادى عليهم فقبلوا الروح القدس»... ولقد ادهش سيمون الساحر هذا الأمر، حتى أنه قدم مالاً للرسولين بطرس ويوحنا وقال لهما «اعطيانى هذا السلطان» فكان ردّ بطرس عليه «لتكن فضتك معك للهلاك، لأنك ظننت أن تقتنى موهبة الله بدراهم». ومن هذا الردّ يتضح أمران فى سرّ الكهنوت: السلطان والموهبة الإلهية الخاصة... هذه الموهبة هى التى اشار إليها بولس الرسول فيما كتبه لتلميذه تيموثاوس الأسقف «اذكّرك أن تضرم أيضاً موهبة الله التى فيك بوضع يدىّ» (٢تى١: ٦).
ماذا تعنى كلمة عبادة؟
العبادة تعنى لغوياً الخضوع لله وطاعته وخدمته، وكل ما يعبّر عن هذه التبعية من سلوك أو طقوس... ومن هذه الكلمة يأتى عبد وعبودية للخالق... ولاشك أن موضوع العبادة لهو فى غاية الأهمية، إذ فيه التعبير العملى عن مشاعر الإنسان وعواطفه نحو الله. وتبياناً لذلك قال السيد المسيح للشيطان فى ختام تجربته فوق الجبل «للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد» (مت٤: ١٠). ولعل كلمات بولس الرسول فى كريت ‹ص ١٦› وهو فى طريقه أسيراً إلى روما وسط قوم وثنيين، توضح هذا المعنى إذ يقول «لأنه وقف بى هذه الليلة ملاك الإله الذى أنا له والذى أعبده قائلاً لا تخف يا بولس» (أع٢٧: ٢٣)... ويكتب بولس إلى أهل رومية موصياً «غير متكاسلين فى الاجتهاد، حارين فى الروح، عابدين الرب، فرحين فى الرجاء، صابرين فى الضيق، مواظبين على الصلاة» (رو١٢: ١١، ١٢)... ويقول لأهل تسالونيكى «وأنتم صرتم متمثلين بنا وبالرب... حتى صرتم قدوة لجميع الذين يؤمنون... لأنهم هم يخبرون... كيف رجعتم إلى الله من الأوثان لتعبدوا الله الحىّ الحقيقى» (١تس١: ٦-٩).
ويتكلم بولس عن عبادة الروح فيقول لأهل رومية «فإن الله الذى أعبده بروحى فى إنجيل إبنه» (رو١: ٩)... ويكتب إلى تلميذه تيموثاوس «إنى أشكر الله الذى أعبده من أجدادى بضمير طاهر» (٢تى١: ٣). ويوضح لأهل رومية أن العبادة يجب أن تكون «بجدة الروح لا بعتق الحرف» (رو٧: ٦، فى٣: ٣)، وإنها عبادة عقلية (رو١٢: ١).
ماذا تعنى كلمة أرثوذكسية هنا؟
الكلمة هنا فى عنوان الموضوع «المفهوم الأرثوذكسى للعبادة»، لا يقصد بها أية ناحية جدلية، بل هى تعنى الاستقامة بحسب اشتقاقها اليونانى الأصلى. وقد استخدمت هذه الكلمة للتعبير عن الإيمان المسيحى السليم حتى قبل انشقاق العالم المسيحى فى منتصف القرن الخامس الميلادى... على أن كلمة ارثوذكسى وارثوذكسية لا يقتصر استخدامهما على اظهار سلامة الإيمان أو العقيدة، بل هى تعبّر عن الاستقامة فى السلوك والروحانية.
ارتباط العبادة بالإيمان والعقيدة:
ومن المفيد أن نقرر هنا أن العبادة بالمفهوم السليم لا تنفصل لا عن الإيمان ولا عن العقيدة، بل هى تعبير حىّ عن كليهما. ويجب أن يكون هذا الفهم راسخاً فينا...
وهناك مغالطة يحاول بعض المغرضين أن يخدعوا بها البسطاء، وهى أن العقائد فى المسيحية استحدثها رجال الدين المتحزّبين. أما المسيحية -فى نظر ‹ص ١٧› هؤلاء- فهى حياة روحية، وسلوك روحى وعاطفة فى العبادة ليس غير... هذا الكلام يعبّر عن وجه من أوجه الحقيقة، وليس الحقيقة كاملة... ولم تكن المسيحية يوماً منذ نشأة الكنيسة وطوال تاريخها. بلا عقائد إيمانية ثابتة...
يقول روسون لامبى Rauson Lumby وهو استاذ متخصص فى كتاب له عن تاريخ قوانين الإيمان The History of Creeds يقول.. يخطىء من يظن أو يتصور المؤمن فى الكنيسة الأولى بلا التزام بعقائد إيمانية محدّدة. لقد كانت لكنيسة الرسل عقائد إيمانية أساسية محددة، صاغتها فى قانون إيمان عُرف فيما بعد باسم قانون إيمان الرسل. وقد حفظ كل راغب فى العماد هذا القانون. وكان يُعلنه لحظة عماده، متعهداً بالتمسك به».
ويقول أستاذ آخر متخصص فى دراسة عصر الرسل هو تشارلس جور Charles Gore «إن تصوير المسيحية الأولى على إنها مجرد طريق للحياة بدون عقيدة لاهوتية -على نحو ما تصوّرها العظة على الجبل ولا شىء غير ذلك- أمر ليس فيه انصاف، ولا تؤيده الأسانيد التاريخية... لقد وجد منذ البداية إيمان عام واحد. كثيراً ما أشار إليه العهد الجديد تحت إسم «التقليد» (١كو١١: ٢) و«صورة التعليم التى تسلموها» (رو٦: ١٧) و«تعليم الرسل» (أع٢: ٤٢) و«صورة الكلام الصحيح» (٢تى١: ١٣) و«الإيمان المسلّم مرة للقديسين» (يهوذا٣). وإيمان الكنيسة كما عبّر عن ذاته فى الحياة والعبادة والغيرة والاستشهاد، كان قوياً سليماً، ويشير إلى أن مصدره هو تعليم الرسل وكتاباتهم».
ارتباط العبادة الكنسية بالطقوس وحكمتها:
وعبادتنا الكنسية حسب مفهومنا الأرثوذكسى، تسير وفق نظم محددة أو طقوس خاصة... فما هى حكمة الكنيسة من طقوس عبادتها... إن كلمة طقوس بالمعنى الكنسى تعنى الترتيبات والنظم الروحية التى يجب مراعاتها فى العبادة المسيحية... وسوف نتناول بالشرح كل طقس فى العبادة نعرض له. لكننا الآن نتناول حكمة الكنيسة من استخدام الطقوس فى العبادة...
‹ص ١٨›
(١) كلمة طقس تعنى ترتيب ونظام:
ولعله من البديهى أن أى أمر يُرجى له النجاح، لا يستقيم بدون نظام... وأمامنا الطبيعة ذاتها التى خلقها الله، وكيف أنها تسير بنظام عجيب، لو اختلّ اختلالاً طفيفاً لانهار الكون كله وأصابه الدمار... مثل هذا النظام فى الطبيعة يتخذه اللاهوتيون دليلاً على وجود إله خالق لهذا الكون...
وأمامنا الإنسان وكيف يتكون من أجهزة مختلفة كثيرة ومعقّدة، كالجهاز الدورى والهضمى والتنفسى والعصبى والبولى وغيرها، وكيف أن هذه الأجهزة ترتبط ببعضها ارتباطاً وثيقاً فى داخل الإنسان، وتسير جميعها وفق نظام عجيب متناسق. بل إن حياة الإنسان تتوقف على انتظام هذه الأجهزة... وعقل الإنسان نفسه باعتباره زينة الإنسان، وما يميّزه عن سائر الكائنات الحية، يتألف من قُوى وملكات مختلفة، لكل منها عمل خاص. وكل ملكة من ملكات العقل تسير وفقاً لقوانين ونظم معينة فى التذكّر والتفكير والتعليل. وبقدر ما تكون المعلومات مرتبة ومتّسقة ومنظمة، بقدر ما يكون استيعاب العقل لها والانتفاع بها...
وفى المجتمع نرى النظام ماثلاً ولازماً وضرورياً، وإلا انهار هذا المجتمع... كما نراه بصورة واضحة جداً فى أى جيش...
فإذا كان النظام شرطاً اساسياً فى كل شىء وهو الطابع الإلهى الذى خُلق به الكون، فكيف لا تتّسم كنيسة الله بنظام، وهى ملكوته على الأرض؟!... وإذا كان النظام واضحاً فى الطبيعة، وهى الخليقة الجامدة، فكيف لا يكون فى الخليقة الناطقة؟!... وإن كان واضحاً ومحسوساً فى جسم الإنسان الذى خلقه الله على صورته ومثاله، فكيف لا يكون فى جسد المسيح غير المنظور الذى هو الكنيسة؟!... وإذا كان عقل الإنسان لا يتقبّل المعرفة إلا على أساس النظام، فمن باب أولى حقائق الروح لا تنفذ إلى أعماق الإنسان إلا من خلال النظام.
وقد أبان الله عن ضرورة النظام فى كنيسته، وشدّد على وجوب اتباعه. ففى القديم مثلاً أفرز سبطاً خاصاً للخدمة الدينية هو سبط لاوى، وحصر الكهنة فى بنى هارون، وحذر من تجاسر الأجنبى وإلا يُقتل. ولم يترك لشعبه الحرية فى طريقة ‹ص ١٩› العبادة، بل رسم لها نظاماً خاصاً دقيقاً بكل تفصيلاته. وقد أوضح الله ذلك ابتداء من الأصحاح الحادى والعشرين من سفر الخروج، ثم خصّص له كل سفر اللاويين وجزءً من سفر التثنية..
وفى العهد الجديد نرى حرص السيد المسيح على اتباع النظام... ففى معجزة اشباع الآلاف من خمس خبزات وسمكتين نرى المسيح يأمر بالنظام فى الجلوس «اجلسوهم فرقاً خمسين خمسين». ثم فى نظام التوزيع، فقد اعطى التلاميذ، والتلاميذ اعطوا الجموع (لوقا ٩).
وقد تكلم بولس الرسول عن أهمية النظام فى كنيسة الله، ووبّخ على الفوضى والتشويش... يقول لأهل كورنثوس «أم تستهينون بكنيسة الله... ليكن كل شىء بلياقة وبحسب ترتيب» (١كو١١: ٢٢، ١٤: ٤٠)... ولما لم تُسعفه الكتابة قال فى نهاية الأمر «وأما الأمور الباقية فعندما أجىء ارتبها» (١كو١١: ٣٤). ونراه يحذّر أهل تسالونيكى بقوله «ونطلب إليكم أيها الأخوة انذروا الذين بلا ترتيب» (١تس٥: ١٤). بل إنه يمنعهم من مخالطة الفوضويين «ثم نوصيكم أيها الأخوة باسم ربنا يسوع المسيح أن تتجنبوا كل أخ يسلك بلا ترتيب، وليس حسب التقليد الذى أخذه منا» (٢تس٣: ٦).
(٢) الممارسات الخارجية فى العبادة هى تعبير حىّ عن العقائد الإيمانية:
العقائد الإيمانية هى حقائق باطنية ومشاعر داخلية غير منظورة. لو ظلت هكذا لبقيت مخفية، ولما امكن نقلها إلى الآخرين. بل هى ممارسات خارجية مبعثها دوافع باطنية... فتصديق الإنسان بوجود الله هو عقيدة، لكن اعترافه به جهراً وعبادته له يسمى طقساً... والإنسان مثلاً يؤمن بأنه يتناول جسد الرب ودمه الأقدسين. لكن لكى تتم الاستحالة فهناك طقوساً كثيرة فى القداس للتعبير عن ذلك.
(٣) الطقوس مباشرات خارجية تنقل الأثر الروحى إلى داخل الإنسان عن طريق الحواس:
هناك رابطة طبيعية بين العنصرين اللذين يتألف منهما الإنسان، وهما الروح والجسد. فالانفعال، النفسى الباطنى لابد وأن يظهر على الجسم كالفرح والألم والذعر ‹ص ٢٠› والخوف... كذلك تتأثر النفس باطنياً بما يدخل إليها عن طريق الحواس، التى هى بمثابة أبواب أو نوافذ المعرفة. وهى التى تنقل العالم الخارجى إلى بواطن النفوس، كالحزن أو الغضب أو الفرح لرؤية منظر معين أو شخص ما... كذلك رؤية المسيح مصلوباً مسمراً على عود الصليب، مطعوناً فى جنبه بالحربة يثير فى الإنسان مشاعر الخشوع. لهذا حرصت الكنيسة مثلاً فى اسبوع الآلام باظهار الحزن بطريقة ملموسة مثل وضع ستور سوداء والألحان الحزاينى وغلق الهيكل وعدم فتح ستره، ولبس الكهنة لثياب الحداد... كما تظهر حكمة الكنيسة فى وضع الصور والايقونات وايقاد الشموع أو القناديل أمامها، واستخدام البخور برائحته العطرية... إلخ. لذلك فمن الخطأ البيّن أن يتجاهل الإنسان طبيعته فيظن أنه عقل خالص لا يتأثر إلا بالكلام والوعظ، وينسى أن له حواس تتأثر بالمحسوسات بأعظم مما يتأثر العقل من كلمات.
(٤) الطقوس الخارجية تنقل إلى الإنسان حقائق الديانة العالية:
فى العلوم المختلفة لابد من أشياء تقرّب العلم ذاته إلى العقول. ففى الهندسة مثلاً لابد من الرسوم الهندسية الدقيقة. وفى علم الجغرافيا لابد من الخرائط الجغرافية. وفى بعض الأحيان الرحلات التى تقرّب إلى الإنسان مالا يستطيع التوصّل إليه بمجرد العقل... ناهيك عن علوم الطبيعة والكيمياء وعلم التشريح وعلم الأحياء وما تحتاجها هذه العلوم من تجارب عملية... كذلك الأمر فى الدين. فلابد من الطقوس الخارجية والصور والايقونات لتقريب الفضائل وحقائق الديانة العالية. كما نلمس ذلك فى صور الشهداء وقت تعذيبهم. وعلى نحو ما يحدث فى لقّان خميس العهد وما يصاحبه من غسل الأرجل الذى يقرّب للإنسان فهم التواضع المسيحى...
(٥) الطقوس لها أثر قوى فى النفس:
القاعدة علمياً أنه كلما استخدم الإنسان أكثر من حاسة، كان ذلك ادعى لثبات المعلومات والمعارف. هذا هو عين ما يحدث فى الديانة. فاستخدام حواس النظر فى رؤية الصور والايقونات وثياب الخدام، والسمع فى الاستمتاع بالألحان والانغام الكنسية، والشم فى رائحة البخور والعطور، بل والجسد كله فى السجود والمطانيات... كل ذلك من شأنه أن يولد فى الإنسان انطباعات عميقة.
‹ص ٢١›
(٦) الطقوس وسيلة مناسبة لاشراك الجسد مع الروح فى العبادة:
الإنسان كائن مكون من روح وجسد. وإذا كان على الروح واجب العبادة والخضوع لله، فعلى الجسد أن يؤدى هذا الواجب... والعيب ليس فى عبادة الجسد. بل فى أن الإنسان يؤديها منفصلة عن روحه.
(٧) الطقوس تنقل الديانة إلى الأطفال والعوام والجهلاء:
فالطفل الصغير لا يستطيع أن يفهم حقائق الديانة عن طريق العقل. ولا يستطيع متابعة الوعظ مثلاً، لكن حضوره إلى الكنيسة ليس عبثاً، بل إن ما يراه ويسمعه ويشمّه يُدخل إليه تأثيرات بالغة لا تمحى آثارها. وإذا انتقلنا إلى عوام الناس، نقول إن السيد المسيح أتى للجميع للعلماء والجهلاء... وعوام الناس يجدون فى طقوس الكنيسة وممارساتها خير عون لهم على تفَهم الدين.
ارتباط العبادة الكنسية بالروحانية:
ثمة كلمة أخيرة فى موضوع هذا المساء، وهى عن وجوب ارتباط العبادة الكنسية بالروحانية... إن الانجيل المقدس يقدم لنا عيّنة عابدة هى حَنَّة النبية التى ترملت نحو اربع وثمانين سنة «لا تفارق الهيكل عابدة بأصوام وطلبات ليلاً ونهاراً» (لوقا٢: ٣٧)... لا يمكن أن يكون إنساناً صدّيقاً باراً، ما لم يكن عابداً حقيقياً بالروح لله... إن القديس بولس الرسول الذى كتب إلى أهل رومية موصياً أياهم أن يكونوا «حارين فى الروح، عابدين الرب... مواظبين على الصلاة» (رومية١٢: ١١)، هو الذى حث المؤمنين فى رسائله وفى خدمته الكرازية على الصلاة الدائمة والصوم الكثير وقمع الجسد وتعبه. ولاشك أن هو نفسه كان مثالاً فى ذلك لكل تعاليمه.. ولقد وبّخ المسيح له المجد خادم كنيسة لاؤديكية لأنه لم يكن بارداً ولا حاراً، بل كان فاتراً، وانذره بأنه مزمع أن يتقيأه من فمه (رؤ٣: ١٥، ١٦).
إن تأدية العبادة لله عموماً بطريقة آلية شكلية، كفريضة ولا شىء غير ذلك، إنما تكون بمثابة نزع الروح من الجسد.
إن حلاوة العبادة هى أن تؤدى بالروح... وحينما تُمارس العبادة بهذه الصورة، لا يشعر العابد بملل، ولا يحسّ بالساعات التى يقضيها بين يدى الله ‹ص ٢٢› خالقه الذى يتعبّد له!!
العبادة الحقيقية هى رؤية لله، وتعبير عن أفكار العابد ومشاعره من نحوه... إنها بالدرجة الأولى عمل الروح. لا يجب أن تصرفنا طقوس العبادة الكنسية عن الجوهر الذى تهدف إليه الكنيسة، وهى أننا نقدم عبادتنا لله بالروح لأنه هو روح (يوحنا٤: ٢٤)... إن العبادة تصبح كلا شىء مالم تكن لله وحده، ومالم تتلاحم الروح معه...
إن عبادتنا ترتبط بقبولنا لله. وعلى ذلك فإن عدو الله لا يمكن أن يكون عابداً حقيقياً له... العبادة هى عمل تَقَوى يُقدم لله ويُوجَّه له شخصياً حينما يمثل العابد فى حضرته... وهذا لا يتأتى ما لم يحس الإنسان أنه فى حضرة الله. من يريد أن يكون عابداً حقيقياً، عليه أن يعرف أولاً الطريق إلى عرش النعمة... إنه طريق واحد. هذا الطريق هو الرب يسوع المسيح له المجد. فهو وحده الطريق (يوحنا١٤: ٦)، والوسيط الوحيد بين الله والناس (١تى٢: ٥)... والطريق الذى يجب أن يسلكه العابد هو طريق الصليب، طريق الحب والجهاد!! وأولاد الله وحدهم هم الذين يستطيعون أن يعبدوه بالحق لأنهم يعرفون الطريق...
حينما يمارس الإنسان العبادة عليه أن يخلى ذاته من كل شىء، ليكون بكليته لله «أنا لحبيبى وحبيى لى» (نش٦: ٣). حينئذ يتحدث العابد إليه ويستمع إليه وهو يحدثه ويكشف له من أسراره «سرّ الرب لخائفيه» (مزمور٢٥: ١٤). إن تفكيرنا فى الله وكل ما يتعلق به يُقدّم لنا مادة لعبادته... فى الله نرى كل القوة والعظمة والسيادة... وفى ملكه اللانهائى يطوف الفكر سريعاً وبعيداً... إن الشمس والكواكب والأقمار والافلاك، ليست سوى نقطة ضئيلة فى مملكة الله غير المتناهية... حينما نتقدم لله لعبادته، نقف بخوف ورعدة أمام ملكنا العظيم، ننحنى أمام عظمته، ذاك الذى «كال المياه بكفّه، وقاس السموات بالشبر، وكال بالكيل تراب الأرض، ووزن الجبال بالقبّان والآكام بالميزان» (اش٤٠: ١٢).
لا شىء يشبع القلب الجائع العطشان مثل المجىء للواحد الكلى القوة والسيادة والمعرفة، لكيما نعبده عن حب... ولعله مما يحرك فينا المشاعر نحو الله ‹ص ٢٣› التأمل فى محبته ورحمته ونعمته المجانية التى أظهرها فى إبنه يسوع المسيح ربنا... «هكذا أحب الله العالم حتى بذل إبنه الوحيد، لَكى لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية» (يو٣: ١٦).. إن تذكّر هذه الأمور تحرّك الإنسان للعبادة.
ربما كان بولس الرسول أكثر كتبة العهد الجديد التزاماً بالمنطق فيما كتب. ومع ذلك نجد هذا الكارز العملاق الذى امتلأ قلبه بمحبة سيده بصورة فائقة وعجيبة، يخرج أحياناً عن السلوك المنطقى ليعبّر عن فرحه العميق حينما يتأمل صلاح الله ومحبته فى المسيح يسوع ربنا فيهتف «مالم ترَ عين ومالم تسمع إذن ولم يخطر على بال إنسان، ما أعده الله للذين يحبونه» (١كو٢: ٩)... إنها واحدة من ثورات الفرح التى تفجرت من قلبه الكبير حينما تأمل فى محبة فاديه ومخلّصه... وفيما هو يتأمل فى ذلك اشتعلت نار الحب فى قلبه وروحه، وانفجرت شفتاه بأغانى التعبد، بينما كان يتحرك فى خدمته البطولية لسيده...
إن الإنسان يجد اسباباً كثيرة تحفزه على التعبد، حتى أن أولاد الله يحسّون بنيران التعبد تشتعل دائماً فى قلوبهم، مالم تأتِ فيضانات هموم العالم لتفرّق الإنسان وتطفىء نار قلبه المقدسة... فى هيكل العهد القديم كانت النار فى مذبح المحرقة تظل مشتعلة أبداً لا تنطفىء. هكذا المذبح الداخلى فى الإنسان، فى قلبه لا تنطفىء نار المحبة، ولا تقل حرارتها، إلا حينما يحوّل الإنسان وجهه عن الله، وينسى كل ما فعله الله معه واحسن به إليه... ليتنا نتذكر كلمات صاحب النشيد «مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفىء المحبة، والسيول لا تغمرها. إن اعطى الإنسان كل ثروه بيته بدل المحبة تحتقر احتقاراً» (نش٨: ٧)... لنحذر أن ننسى الله وكل احساناته «باركى يا نفسى الرب ولا تنسى كل حسناته» (مز١٠٣: ١).
